حكايات لا تعرفها عن باب العمود في العهد العثماني

اكتشف أسرار العمارة العثمانية في القدس، وتعرف على أهم التعديلات العسكرية والجمالية التي جعلت من باب العمود تحفة هندسية صامدة تتحدى الزمان.

 باب العمود في عهد الدولة العثمانية

باب العمود في العهد العثماني
باب العمود في العهد العثماني

تتميز مدينة القدس بأسرارها التاريخية الكامنة في أدق تفاصيلها، ولا تزال أسوارها العتيقة وأبوابها الشامخة تروي حكايات قرون مضت. ومن بين هذه الأبواب السبعة المفتوحة، يبرز "باب العمود" (أو ما يُعرف ببوابة دمشق) كأحد أهم وأجمل المعالم المعمارية التي تجسد عظمة التاريخ الإسلامي في المدينة.


لكن، هل تساءلت يوماً كيف تحول هذا الباب إلى تحفة معمارية فريدة؟ لنعد بالزمن إلى الوراء، وتحديداً إلى عهد الدولة العثمانية، لنكتشف قصة إعادة إعمار هذا الحارس التاريخي.


نقطة التحول الكبرى

في عام 1516م، دخلت القدس تحت الحكم العثماني، وبدأت المدينة تشهد مرحلة جديدة من النهضة العمرانية والأمنية. وكان التحول الأبرز في عهد السلطان سليمان القانوني، الذي أمر بإعادة بناء أسوار القدس وأبوابها لحمايتها وتأمين سكانها.


في الفترة ما بين (1537 - 1541م)، أشرف المهندسون العثمانيون على إعادة تصميم وبناء باب العمود فوق بقايا بوابات رومانية صليبية قديمة. لم يكن الهدف مجرد بناء جدار دفاعي، بل أراد السلطان أن يكون الباب واجهة تعكس هيبة الدولة العثمانية وعنايتها بالمدينة المقدسة.


العمارة العثمانية في باب العمود: هندسة تبهر العيون

يُصنف باب العمود كأجمل أبواب القدس وأكثرها زخرفة وفخامة. وقد تميزت العمارة العثمانية فيه بعدة عناصر جعلت منه تحفة فنية:


  1.  القوس العظيم والزخارف: يتميز الباب بقوسه الواسع المرتفع، وتزينه النقوش الحجرية الدقيقة والمقرنصات التي تعكس روح الفن الإسلامي العثماني.
  2.  الشرفات والدفاعات العسكرية: يحتوي الباب على طاقات لرمي السهام، وشرفات بارزة (مشربيات) كانت تستخدم للمراقبة والدفاع العسكري، وضمان عدم اقتحام المدينة.
  3.  النقش التأسيسي: يعلو الباب نقش حجرى تاريخي بالخط العثماني يخلد ذكر السلطان سليمان القانوني وتاريخ بناء هذا الصرح العظيم.
  4.  المنعطف الدفاعي: صُمم المدخل بزاوية قائمة (على شكل حرف L)؛ وهي خدعة هندسية عسكرية ذكية لمنع الفرسان أو المهاجمين من اقتحام الباب بسرعة مستقيمة.


مركز الحياة الاقتصادية والاجتماعية

لم يكن باب العمود في العهد العثماني مجرد نقطة حراسة، بل كان القلب النابض للمدينة. فمنه كانت تنطلق القوافل التجارية المتجهة نحو الشام (ولهذا سمي ببوابة دمشق)، وممراً رئيسياً للحجاج والزوار.


تجمعت حوله الأسواق النابضة بالحياة، والمقاهي الشعبية، والتجار الذين يعرضون بضائعهم القادمة من مختلف بقاع الخلافة العثمانية، مما جعله نقطة التلاقي الأولى بين سكان القدس والوافدين إليها.


ابرز التعديلات التي حصلة في عهد الدولة العثمانية

عند الحديث عن التعديلات والإضافات التي شهدها باب العمود وسور القدس في عهد الدولة العثمانية، فنحن لا نتحدث عن مجرد ترميم عادي، بل عن عملية إعادة بناء شاملة وجذرية غيّرت ملامح المنطقة ومنحتها الطابع الهندسي المهيب الذي نراه اليوم.



1. إعادة البناء الشامل فوق الأنقاض القديمة


لم يكتفِ المهندسون العثمانيون بترميم الباب القديم، بل قاموا بإعادة تصميم وبناء باب العمود بشكل شبه كامل بين عامي (1537 - 1541م) في عهد السلطان سليمان القانوني. تم تشييد الباب الحالي فوق بقايا بوابات أثرية قديمة (رومانية وصليبية)، حيث رُفعت الحجارة الضخمة وضُبطت زواياها لتشكل واجهة السور الجديدة.



ابرز التعديلات التي حصلة في عهد الدولة العثمانية


2. إدخال المنعطف الدفاعي (المدخل المنكسر)


من أهم التعديلات العسكرية الذكية التي طبّقها المهندسون العثمانيون هي هندسة المدخل المنكسر على شكل حرف L.

 الهدف منها: منع الخيالة، أو الفرسان، أو المهاجمين من اقتحام المدينة بشكل مستقيم وسريع؛ فحتى لو تمكن الأعداء من كسر الباب الخارجي، سيضطرون للتوقف والدوران بزاوية قائمة، مما يفقدهم زخم الهجوم ويجعلهم هدفاً سهلاً للمدافعين في الأعلى.


3. إضافة الشرفات الحربية والغلّايات (المشربيات الدفاعية)


تم تزويد الجزء العلوي من الباب بـ شرفات بارزة ومفتوحة من الأسفل تُعرف عسكرياً بـ "الغلّايات" أو "السقاطات".

 وظيفتها: تمكين الحراس والمدافعين من صب الزيوت المغلية، أو المواد الحارقة، أو إلقاء الحجارة مباشرة على أي قوات تحاول التجمع عند بوابة الباب الخشبية في الأسفل لكسرها.


4. استحداث طاقات رمي السهام والبنادق


تضمّنت التعديلات العثمانية فتح شقوق عمودية ضيقة (طاقات أو مزاغل) في جدران الباب والبرجين المحيطين به. هذه الشقوق مصممة هندسياً لتمكين الرماة وجنود الحراسة من إطلاق السهام أو الرصاص نحو الخارج بزوايا واسعة، بينما تظل أجسادهم محمية تماماً خلف الجدران الحجرية السميكة.


5. إضافة النقش التأسيسي السلطاني


توثيقاً لهذه التعديلات الكبرى، أُضيف نقش حجرى تذكاري بارز يعلو قوس الباب من الخارج، كُتب بالخط العثماني الإسلامي، ويحمل اسم السلطان سليمان القانوني وتاريخ الانتهاء من بناء هذا الصرح العظيم، ليكون بمثابة الختم الرسمي للدولة العثمانية على البوابة.


6. الزخارف والمقرنصات الفنية


على عكس الطابع العسكري الجاف للعهود السابقة، أضاف العثمانيون لمسات جمالية فريدة على واجهة الباب؛ فشملت التعديلات دمج المقرنصات الدقيقة والنقوش الهندسية النباتية فوق القوس الرئيسي، وتحويل الأبراج الدفاعية إلى قطع فنية تتوج واجهة القدس الشمالية.


إرسال تعليق